توقيت القاهرة المحلي 13:53:48 آخر تحديث
الجمعة 28 شباط / فبراير 2025
  مصر اليوم -
أخبار عاجلة

نموذج قرطبة يصارع عين النافورة في الجزائر!

  مصر اليوم -

نموذج قرطبة يصارع عين النافورة في الجزائر

بقلم : سليمان جودة

  القصة رغم حدوثها بشقيها في الجزائر، فإنها تظل مطروحة في كل عاصمة عربية، وتبقى حية في كل بلد عربي يعرف بطبيعة الحال فريقين؛ فريقاً يريد اللجوء إلى الماضي، ولا يرى عنه بديلاً، وآخر يرغب في السفر إلى المستقبل، ويرى الذهاب إليه تجاوباً مع عصر نعيش فيه، ويعتقد في أنه لا سبيل إلى التجاوب مع عصرنا إلا بالعيش وفق حقائقه، والتعامل مع تحديات تميزه، والاستجابة لضرورات تفرضها طبيعته، والتحدث باللغة التي تفهمها هذه الطبيعة!

وقد كان الشق الأول من القصة حين التقى في الجزائر العاصمة وزيران؛ أحدهما هو الجزائري محمد عيسى، والثاني هو الفرنسي جيرار كولومب. كلاهما مسؤول عما يخص الشؤون الدينية في عاصمة بلده، وكلاهما يحب أن تكون هذه الشؤون فاعلة في اتجاهها الصحيح!

كان اللقاء في الأسبوع الثالث من مارس (آذار)، وكان جدول أعمالهما ممتلئاً بأكثر من قضية، غير أن القضية الأهم فرضت نفسها عندما خرجا معاً على وسائل الإعلام، بعد لقائهما، ليعلنا معاً أنهما اتفقا على شيء مهم؛ بل أهم، هو العمل على إحياء نموذج إسلام قرطبة!

أما قرطبة، لمن لا يعرف، فلقد كانت عاصمة دولة الإسلام في الأندلس، وقت أن قامت له دولة هناك دامت ثمانية قرون من الزمان، وكانت نهايتها عام 1492 حين سقطت غرناطة، آخر المدن الباقية في تلك الدولة التي وصلت بحدودها ذات يوم إلى جنوب فرنسا، وقد كادت تتجاوز الجنوب إلى الشمال الفرنسي، ومنه إلى بقية أوروبا، لولا معركة بلاط الشهداء، ولكنها قصة أخرى!
وكان ابن رشد هو الملمح الأبرز في وجه قرطبة، ولا يزال اسمه مرتبطاً بها، ولا يزال اسمها مرتبطاً به، فلا يذكرها أحد إلا ويذكره معها، ولا يذكره أحد إلا ويذكرها معه، ولا يزال لقب «فيلسوف قرطبة» واحداً من بين ألقابه الكثيرة التي تدل عليه! ولأنه فيلسوف، ولأنه صاحب الكتاب الشهير «فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال»، ولأن انحيازه كان إلى العقل في المقام الأول، فإنه كان يُعلي دائماً من مكانته في الإسلام، وكان يقصد العقل الذي إذا حضر غاب التشدد، وتوارى التطرف، ولم يعد للإرهاب المتستر بالدين مكان!

هذه هي معالم نموذج إسلام قرطبة، الذي أحس الوزيران عيسى وكولومب، أنهما أحوج إلى الدفع به إلى الصدارة، وأنه أحوج النماذج إلى المساعدة، وأنه نموذج يجب ألا يغيب، وأن في حضوره قبولاً للآخر طول الوقت، وتسامحاً إزاءه، وتعايشاً معه، واعترافاً باختلافه، مهما كان لونه، ومهما كان جنسه، ومهما كان دينه، ومهما كانت معتقداته التي يوقن فيها ويؤمن بها!

فالله - تعالى - هو وحده الذي سوف يحاسب الناس على معتقداتهم، ولا أحد سواه يملك هذا الحق، والله - تعالى - هو وحده الذي منح العقل لكل إنسان، وترك له أن يختار، وسوف يحاسبه على اختياره، ما دام اختياراً حراً لا ضغط فيه ولا إكراه. وهذه هي الحكمة الظاهرة في رفع التكليف عن غير صاحب العقل!

وفي هذا السياق، فإنني أتساند دائماً على آيتين كريمتين تقولان كل شيء في الموضوع. أما إحداهما فتقول: «ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين»، وأما الثانية فتقول: «ولو شاء ربك لآمن مَنْ في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تُكره الناس حتى يكونوا مؤمنين».

وليس بعد معناهما الواضح مجال لكلام يقال. وقد كان إسلام قرطبة يقف على خط واحد معهما، ويتسق مع المنطق الناصع في كل آية منهما، وربما كان هذا المعنى العميق فيهما، هو الذي جعل ذلك النموذج الإسلامي الأندلسي حياً على مدى قرون ثمانية أضاء خلالها أرض الأندلس كلها، وكان هو أيضاً الذي جعل منه نموذجاً باقياً إلى بدايات القرن الحادي والعشرين!

ولم يكن نموذجاً باقياً فقط؛ لكنه بقي النموذج الأفضل، وإلا ما كان الوزيران الجزائري والفرنسي قد فضلاه على غيره من النماذج، وما كانا قد دَعَوَا في وقت واحد، وبصوت مشترك، إلى إحيائه واستلهامه؛ لأنه الأقدر على التعبير عن جوهر الدين، وعن مضمونه، وعن مقاصده العليا، ولأنه الأقدر كذلك على أن يفهم الناس في كل مكان، أن روح الإسلام تأبى أن يكون الفكر المتشدد وجهاً من وجوه التعبير عنه، أو أن يكون السلوك المتطرف عنواناً له في هذا العالم المعاصر، أو أن يكون إرهاب الآخرين لغة في هذا العصر، ولا في أي عصر!

كان هذا هو الشق الأول من القصة. أما شقها الثاني فكان جدلاً دار، وربما لا يزال دائراً، بين عز الدين ميهوبي، وزير الثقافة الجزائري، من جانب، وبين نواب محسوبين على التيار الإسلامي، رفضوا من جانب آخر بقاء تمثال عين النافورة في ميدان من ميادين منطقة سطيف هناك، وطلبوا نقله إلى المتحف! لقد رأوا فيه نوعاً من العُري الذي يؤذي عيون المارة أو يجرح مشاعر عابري السبيل!

وقد اشتد الجدل بين الطرفين وازداد سخونة، إلى حد أن الوزير ميهوبي رفض مطالب نقل التمثال، وأعلن في شجاعة تُحسب له أن الذين يطلبون نقله إلى المتحف، هُم الأجدى بالانتقال إلى المتحف والبقاء في داخله، إلى أن يكونوا قادرين على التعايش مع عصرهم بشكل طبيعي!

فليس في أوروبا كلها ميدان إلا وفي القلب منه تمثال من نوع عين النافورة، ولم نسمع في يوم أنه قد سبب أذى لعين أحد، ولا سمعنا أن مواطناً أوروبياً طبيعياً قد اشتكى يوماً من سوء المنظر الذي يجسده التمثال أمام عينيه، ولكن سمعنا ورأينا أن الميادين كانت تزدان طول الوقت بالتماثيل، بوصفها فناً يوفر في كل أحواله متعة بصرية لكل عين، ويجعل من المنظر العام ساحة من ساحات الجمال!

ولم يحدث أن رأى مواطن أوروبي عُرياً في أي تمثال، ولا رأى في تفاصيله خروجاً على الذوق العام؛ لأن المواطن نفسه يظل يرى في كل التماثيل آية من آيات الفن التي تغذي العين، بقدر ما تملأ الروح بالبهجة والفرح والإقبال على الحياة، وتملأ الإنسان بالقيم التي تحرضه على التأمل في أسرار خلق الله!

وليست الجزائر فريدة من نوعها في القصة بشقيها، وكذلك بأبعادها ومعانيها؛ ففي كل بلد عربي تقريباً سوف تجد فريقاً يميل إلى نموذج إسلام قرطبة، ويتمناه نموذجاً حياً، ومنتشراً، وسائداً، ويريده طريقاً إلى مستقبل لا مفر من الوصول إليه. وسوف تجد فريقاً آخر في المقابل ينشغل بنموذج عين النافورة في يقظته وفي منامه، ويهرب معه إلى ماضٍ انقضى وقته وفات أوانه!
ولا سبيل لنا إلى عتبات المستقبل، إلا بانتصار نموذج قرطبة؛ لأنه النموذج الذي ينتصر للحياة!

نقلا عن الشرق الآوسط اللندنية
المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

GMT 13:43 2018 الأربعاء ,21 تشرين الثاني / نوفمبر

دولة في غزة كُبرى؟

GMT 11:56 2018 الإثنين ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

الوطن والشعب.. وأنا

GMT 08:20 2018 الأحد ,18 تشرين الثاني / نوفمبر

درع العرب (1) نواة القوة المشتركة

GMT 09:54 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

مسقط... رؤية مختلفة

GMT 08:32 2018 الأحد ,28 تشرين الأول / أكتوبر

عودة الوحش

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

نموذج قرطبة يصارع عين النافورة في الجزائر نموذج قرطبة يصارع عين النافورة في الجزائر



يتميَّز بطبقة شفّافة مُطرّزة وحواف مخملية

كورتني كوكس تُهدي فُستانًا ارتدته قبل 20 عامًا لابنتها كوكو

نيويورك ـ مادلين سعاده

GMT 03:24 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

"دولتشي آند غابانا" تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019
  مصر اليوم - دولتشي آند غابانا تُقدِّم عبايات لخريف وشتاء 2019

GMT 06:16 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة
  مصر اليوم - أغلى فيلا في تايلاند مقصد للمشاهير ومُحبي الفخامة

GMT 09:04 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية
  مصر اليوم - ديكورات مستوحاة من الطبيعة للجلسات الخارجية

GMT 02:48 2019 الإثنين ,17 حزيران / يونيو

أرخص 10 بلدان أوروبية لقضاء عُطلة صيفية لا تُنسى
  مصر اليوم - أرخص 10 بلدان أوروبية لقضاء عُطلة صيفية لا تُنسى

GMT 03:37 2019 الأحد ,16 حزيران / يونيو

7 محظورات و 5 نصائح لتأثيث غرف نوم مميزة للأطفال
  مصر اليوم - 7 محظورات و 5 نصائح لتأثيث غرف نوم مميزة للأطفال
  مصر اليوم - رفض دعاوى بي إن القطرية ضد عربسات بشأن بي أوت

GMT 12:48 2019 الخميس ,10 كانون الثاني / يناير

تعرف على تاريخ مصر القديمة في مجال الأزياء والموضة

GMT 03:59 2018 الأحد ,28 كانون الثاني / يناير

تفاصيل جديدة في حادث الاعتداء على هشام جنينه

GMT 10:53 2018 الأربعاء ,17 كانون الثاني / يناير

العلماء يحذرون عشاق "شاي الأكياس" من المخاطر الصحية

GMT 15:26 2018 الجمعة ,12 كانون الثاني / يناير

ميلان يضع خُطة لإعادة تأهيل أندريا كونتي

GMT 09:19 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

وصول جثمان إبراهيم نافع إلى مطار القاهرة من الإمارات

GMT 08:13 2018 الإثنين ,01 كانون الثاني / يناير

التغذية غير الصحية كلمة السر في الشعور بالخمول

GMT 09:09 2017 الخميس ,28 كانون الأول / ديسمبر

طارق السيد ينصح مجلس إدارة الزمالك بالابتعاد عن الكرة

GMT 00:47 2017 الثلاثاء ,26 كانون الأول / ديسمبر

أمن الإسماعيلية يرحب باستضافة المصري في الكونفدرالية

GMT 18:22 2017 السبت ,09 كانون الأول / ديسمبر

القدر أنقذ ميسي من اللعب في الدرجة الثانية

GMT 09:28 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

عرض فيلم "نساء صغيرات" في الإسكندرية

GMT 12:20 2019 الثلاثاء ,04 حزيران / يونيو

طلائع الجيش يبحث عن مهاجم سوبر فى دوري المظاليم

GMT 15:09 2019 الإثنين ,03 حزيران / يونيو

فان ديك يحصد لقب أفضل لاعب بنهائي دوري الأبطال

GMT 15:15 2019 الأربعاء ,03 إبريل / نيسان

مشروع "كلمة" للترجمة يصدر "كوكب في حصاة"

GMT 20:20 2019 السبت ,09 شباط / فبراير

صدور رواية "الطفلة سوريا" لعز الدين الدوماني
 
Egypt-Sports

All rights reserved 2025 Arabs Today Ltd.

All rights reserved 2025 Arabs Today Ltd.

egyptsports egyptsports egyptsports egyptsports
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon