أسامة غريب
بعد الخروج من الدائرة الجمركية واجتياز الباب المؤدى لصالة المطار قبل الوصول للشارع، يفاجأ القادم من الخارج بعشرات الناضورجية والشبيحة يطوقونه من جميع الجهات.. هذا يمسكه من كمه، وذاك يضع يده على الشنطة، ويرن فى أذنه نداء: تاكسى.. تاكسى.. ليموزين.. ليموزين.
تقدمت وشققت طريقى متجاهلاً هؤلاء إلا أن واحداً منهم كان لحوحاً للغاية.. قال لى: تاكسى يا بيه؟ قلت له: شكراً. قال: العربية نضيفة. قلت: أشكرك.. معى سيارتى الخاصة. قال: التاكسى بتاعى بالعداد فلا تقلق! ضحكت وقلت: وهل كون سيارتك بها عداد يُعتبر سبباً كافياً لأن أترك سيارتى بساحة المطار وأركب معك؟ الغريب أن هذا الشخص ليس سائقاً ولا صاحب سيارة.. هو مجرد وسيط يتصيد الركاب ويأخذ حسنته، وهو فى واقع الأمر ضحية سلطة لا تترك للناس وسيلة طبيعية لكسب الرزق.. تترك لهم فقط ما يضعهم فى اشتباك مع الناس وما يجعل منهم هدفاً للسخرية.
فى كل مطارات العالم توجد منظومة واحدة تحكم عملية نقل الركاب إلى المدينة.. ليس هناك اجتهاد، إنما هو «دليل عمل» واحد يلتزم به الجميع، وهو يتلخص فى وجود صف من سيارات الأجرة تقف خلف بعضها البعض فى طابور بجوار الرصيف على باب صالة الخروج.. أما على الرصيف فيوجد مَن ينظم وقوف الناس بحقائبهم وعربات عفشهم صفاً واحداً أيضاً، بحيث إن أول واحد فى طابور الركاب يتقدم من أول سيارة فى طابور التاكسى.. وهكذا. لكن عندنا فى مطار القاهرة الأمر مختلف تماماً، فكما أسلفت يتلقفك الناضورجية والقومسيونجية منذ الخروج، عارضين بضاعتهم وسط الصالة فى منظر لا مثيل له فى أى مكان بالعالم. الأغرب أنه عندما توافق لأحدهم على توصيلك فإنه يصحبك للخارج بعد أن يأخذ شنطتك فلا تجد أثراً لأى تاكسي!.
تسأله: أين السيارة؟ فيجيبك: هناك أهى. تسأله: هناك فين؟ فيقول تعالى ورايا. تتحلى بالصبر وتذهب معه فيعبر بك الرصيف إلى الناحية الأخرى من الشارع.. تجد نفسك تجرى وراءه لأن حقيبتك معه، ثم يصل بك إلى سلم حجرى تنحدر معه إلى مستوى آخر من الشارع، وبعد ذلك يقطع بك فى الفيافى والقفار المحيطة بمنطقة المطار حتى تجد فى آخر الرحلة سيارة تعيسة مختبئة بين الصخور أو تحت شجرة، ثم يسلمك للسائق حيث تكون مهمته قد انتهت وعليك أن تنفحه ما فيه النصيب ثم تدخل فى مغامرة جديدة مع السائق للاتفاق على الأجرة!
عندما سألت السائقين لماذا لا يقفون أمام الصالة مثل بقية المطارات فى كل الدنيا؟ فشلوا فى إعطائى مبرراً مقبولاً، وقالوا إن الأمن يمنعهم من الاصطفاف أمام الرصيف.. ولست أفهم فى الحقيقة أى عقلية أمنية تلك التى تمنع السيارات من تحميل الركاب بمجرد الخروج، وتجعل التعاقد مع الراكب يبدأ بشكل إجبارى من خلال سمسار متجول فى الصالة يأخذ الراكب فى رحلة ويصعد به ويهبط قبل أن يصل إلى مكان ناءٍ على أطراف المطار يختبئ به السائقون وكأنهم ينقلون شحنة مخدرات لا ركاباً وحقائب!