أسامة غريب
يرغب الشخص فى الاستجمام والتغيير فيفتح الكمبيوتر ويدخل على مواقع الرحلات، ومن ثم يقوم بحجز رحلة إلى مكان بعيد مع أناس قاموا بالحجز مثله أونلاين دون سابق معرفة. يبدأ الجميع الرحلة فى أول يوم وهم متوجسون من بعضهم البعض، متقوقعون كلٌ داخل محارته التى شيدها ليحمى نفسه. ومع هذا يمكن ملاحظة أن كل واحد يختلس النظر إلى الآخرين يحاول أن يفهم أيهم يمكن الاندماج معه ومن الذى يستحسن أن ننأى بأنفسنا عنه منذ البداية!
ليس مستغرباً طبعاً أن يكون جانب معتبر من أعضاء الرحلة من العواجيز الطاعنين فى السن بعضهم تخطى التسعين، وبعضهم فى أواسط العمر ممن يدخرون طوال العالم للقيام برحلة فى إجازة الصيف. ويلاحظ قلة عدد الشباب فى مثل هذه الرحلات، حيث إنه يناسبهم أكثر الصعلكة الرخيصة والإقامة فى بيوت الشباب مع أقرانهم دون برنامج منظم يلزمهم بالاستيقاظ كل يوم مع مطلع الفجر. يستمر الناس متباعدين حذرين لا يريدون الاندفاع فى صداقات قد لا يستطيعون منها فكاكاً لبقية الرحلة.. حتى وهم يجلسون إلى مائدة الطعام متجاورين لا يتبادلون سوى ابتسامات متكلفة. ولكن مع مرور الوقت يبدأون على استحياء فى الإطلال برؤوسهم خارج القوقعة ليروا ما يحدث فى القواقع المجاورة، ويمكن للراصد أن يلمس أن ثمة تغييراً قد حدث، وأن أغلبهم لن يمانع إذا ما أخذ أحدهم المبادرة بالتعارف.. ورويداً رويداً يتشجع البعض ويبدأ فى الخطو خارج القوقعة بحثاً عن رفاق من نفس النوعية.. وفى العادة يكون الأسرع فى المبادرة هم المتقدمين فى السن ربما بسبب أنهم يشعرون أكثر من غيرهم بأنه لم يتبق وقت للتلكؤ! وبطبيعة الحال يمكن رصد بدايات كسر الجليد وتكون أولاً بالاندفاع نحو قائد الفوج الذى يصاحب المجموعة طوال الوقت بالشرح والتعليق والتفسير، ثم يبدأ الأوروبيون منهم بالاقتراب من بعضهم البعض، ويحذو حذوهم الآسيويون من ماليزيا وسنغافورة واليابان فيأخذون فى التجول وارتياد المحال التجارية معاً. وينظر العربى الوحيد حوله فيجد العواجيز هم الأكثر ميلاً إليه وإقبالاً عليه واستعداداً لمصادقته فيفهم أن الصورة النمطية للعربى ما زالت مسيطرة على الأفهام، وأن مهمة العربى فى مثل هذه الرحلات هى الأكثر صعوبة إذا كان راغباً فى عقد صداقات، وتمر برأسه صور معارفه فى أوروبا وكندا وأمريكا من العرب الذين لم يستطيعوا الزواج والحصول على الإقامة والجنسية إلا عبر نساء كبيرات فى السن أو عاطلات عن الجمال، حيث إن الفتاة الطبيعية الجميلة لديها فى العادة مواصفات فى فارس الأحلام ليس من بينها أن يكون عربياً!
يبدأ الناس فى الرحلة، بمرور الوقت يستأنسون بالاختلاط والقرب ثم يركلون القوقعة وينفتحون على بعض بعد أن تزول المخاوف ويرحل الخجل.. لكن يا خسارة.. بعد أن تكون الرحلة قد شارفت على الانتهاء وحان أوان الوداع!
"الوطن"