بقلم: محمود حساني
وسط الحياة ومشاغلها ومتاعبها، عرفت خلال هذا الأسبوع ثلاث حالات وفيات أعرف أصحابها عن قُرب، وكأنهم اجتمعوا ليعطوننا رسالة وعظة.
الأولى لشخص يبلغ من العمر 27 عامًا، صاحب كشك سجائر لا يتركه طيلة اليوم، ولا أرى حتى البسمة على وجهه، ولا أسمع له سلام إلا القليل، كثير المشاجرة والصدام مع أبويه ومع جيرانه، وحتى مع زبائنه، ومن شيّع له جنازته قليلون جدًا.
أسال الله أن يكون مات وصفحة عمله ملئية بالأعمال الصالحة في سريرته أكثر من علنته، وأن يتجاوز عن سيئاته، وأن يتغمده برحمته ويدخله الجنة بعفوه ورحمته لا بحسابه.
والثانية للحاج عبد الراضي، صاحب الـ 58 عامًا، الذي يعمل حارس عقار في أحد أحياء القاهرة الراقية، رجل أشهد أنه ظلّ طيلة حياته يكدح لقوت يومه وتربية أولاده، ولم نسمع عنه أو عن أولاده سوء، ومات طريح الفراش من مرض عان منه بعد أن أدّى رسالته كأب مربٍ لأولاده، وفي مجلس جنازته التي حضرها سكان العقار وأبناء الحي الذي كان يعمل فيه، ظلّ الجميع يتذكرون مواقفه وشهامته وكرمه، وخلقه الكريم حتى انتهى المجلس. وأسال الله أن يتغمده برحمته ويتجاوز عن سيئاته بفضل تربية أولاده ويدخله جناته بعفوه ورحمته لا بحسابه.
والثالثة لأستاذ جامعيّ متفرّغ اجتمعت فيه آية العلم والتقوى والصلاح والوطنيّة، كان مهمومًا بوطنه وأبنائه وأزماتهم، وينشر علمه ويتعب حتى آخر أيامه، وكان يذكّر طلابه وأبناءه بمن ماتوا على منصة المدرج، وهم يقدمون علمهم لأجيال مختلفة.
إنّه المعلم والمربي، الأستاذ الدكتور يحيى الجمل، إحدى العلامات الفارقة في كلية القانون في مصر والعالم العربي، الذي أثرى المكتبة العربيّة بمؤلفات لا غنى عنها لأيّ باحث، تولى مسؤولية البلاد، خلال فترة من أصعب فتراتها، بعد ثورة 25 كانون الثاني/ يناير، مع رئيس الوزراء الأسبق عصام شرف، أشهد أن هذا الرجل من القلائل في مصر، الذي تولى منصب وهو يضع نصب عينيه على الأمانة التي تكفل بها، وأحسن حملها.
لمن لا يعرف أن الدكتور يحيى الجمل، كان من القلّة في جامعة القاهرة، الذين يقدمون علمهم فى كتب بأسعار مخفّضة بفرق شاسع لصالح الطلاب من البسطاء، مرعاةً لظروف آبائهم، وتشجيعًا لهم على الاستمرار في تلقي العلم.
وأتذكر له في أحد الأحاديث الصحافيّة، التي جمعتني به بعد ثورة 30 حزيران/ يونيو، متى ستحتلّ مصر مكانتها بين الأمم؟ فكان ردّه صريحًا وموجزًا، عندما يجتمع الجميع على حبّها والإخلاص لها، من دون أيّ اعتبار لمصالح حزبيّة أو سياسيّة، رحل الأستاذ الدكتور يحيى الجمل وبقي علمه ومؤلفاته. أسال الله أن يعفو عنه ويتجاوز عن سيئاته وأن يدخله جنته بعفوه ورحمته من دون حساب.
اجتمع الثلاثة وتفرقوا في الأعمال حسب الظاهر لنا، ولكنّهم اتفقوا على توجيه رسالة لنا وسط زحمة الحياة، أننا يومًا ما سيأتي الدور علينا، فعلينا أن نستيقظ قبل فوات الأوان، وأن نترك عملًا صالحًا ينفعنا.