بقلم : محمود حساني
أزمة هذا الجيل من الشباب الذين تخرجوا من كلياتهم وأنهوا حياتهم العملية، أنهم منذ اليوم الأول في السنة الدراسية الأخيرة، رسموا في مخيلتهم أحلام وطموحات سيحققها بعد تخرجهم، سأحصل على إعفاء من الجيش، وسأخطب حبيبتي، وسأعمل في وظيفة مرموقة التي حلمت بها، وهي بالتأكيد أحلام مشروعة ومن حقهم تماماً، لكن الأزمة الحقيقية ، أنهم لا يبالون بالواقع ولا يعرفون معالمه، سواء كان ذلك عن قصد أو دون قصد، رغبةً منهم، في أن يعيشوا في جو الأحلام التي رسموها في مخيلتهم.
ومع أول اختبار يوجهونه مع الواقع ، يصطدمون ، أنهم فشلوا في تحقيق ما كان يصبوا إليه من الحصول على إعفاء أو تأجيل من تأدية الخدمة العسكرية ، وبعد سنة ، تمر ، بالتأكيد سيكتسبون فيها خبرات ومواقف ، ستعيد نظرتهم في الحياة مرة أخرى ، وسيصبح منهم ، من هو أكثر واقعية في نظرته للدنيا والحياة ، ومنهم من سيفّضل أن يعيش في أوهامه ، وهي مشكلة جيل أو أجيال في الحقيقة ، لا تود أن تعترف بواقعها ، وهم بالمناسبة أكثر اصطداما في عثرات وعقبات الحياة ، لكونهم لم يتأهلوا في التعامل معها .
منهم من سيفكر في السفر إلى الخارج للعمل ، لا سيما إذا كان له قريب أو أخ في إحدى الدول ، وهو بالمناسبة ، عُرف سائد لدى أهالي القرى في محافظات الصعيد والدلتا ، بعد أن ينتهي أحد أبنائها من فترة التجنيد ، يسافر إلى الخارج للعمل ، ومنهم من سيفكر في تأسيس مشروع خاص له ، كمطعم أو محل لبيع وصيانة هواتف المحمول وغيرها من المشاريع السائدة.
غير أن المشكلة الأساسية ، تكمن ، في البعض بمجرد ينتهي من تأدية الخدمة العسكرية ، يرفض أي فرصة عمل تُتاح له ، لأنه يرى غير مناسبة لمؤهلاته ، أو أنها ليست الوظيفة التي ينتظرها أو تلك التي رسمها في مخيلته ، ويعود مُجدداً إلى مقعده في المقهى الذي تركه طوال عام ، هي فترة تأدية الخدمة العسكرية ، ولا حتى يُكلف نفسه بتطوير مؤهلاته والحصول على كورسات في مجاله ، مكتفياً بما درسه خلال فترة الكلية ، في الوقت الذي تُشير فيه أغلب الدراسات الحديثة ، أن الحياة العملية في الوقت الحالي ، لا تمت بأي صلة لما درسّه البعض في الكلية .
وتمّر سنوات من عمر صاحبنا ، الذي لا يبالي بواقعة ، ولا يود أن يعترف به ، ويجد من حوله ، من أقرانه خلال فترة الدراسة ، الذين قرأوا واقعهم مبكراً واعترفوا به ، تقدموا خطوات إلى الأمام ، وهو كما هو ، في انتظار الوظيفة المرموقة التي لم تأتي بعد .
أكرر مرة ثانية ، كل ما نحلم به خلال فترة الكلية ، هي بالتأكيد أحلام مشروعة ، وإن كان البعض يتجاوز حدود واقعه ، ويرسم في مخيلته ما هو أبعد من الواقع وإمكانياته ، وكل ما نصبوا إليه سيتحقق بأذن الله ، وهذا وعد الله لنا ، لكن علينا أولاً أن نلقي نظرة لواقعنا ، ونتدبر الأوضاع التي حولنا ، ونطور من أنفسنا ومؤهلاتنا لمواجهة الحياة وصعوباتها .