تدق أجرس الخطر وتتصاعد أزمة الشح المائي في المشهد المصري بالتوازي مع اقتراب موعد ملء سد النهضة الإثيوبي من مياه نهر النيل، وسط تحذيرات في القاهرة من تداعيات سلبية على حصتها المائية في حال وجود فيضان منخفض، وقال رئيس قطاع توزيع المياه في وزارة الري المصرية، عبداللطيف خالد، إن فيضان نهر النيل العام الماضي كان الأسوأ منذ 113 عامًا، واضطرت الدولة إلى سحب مياه من المخزون الإستراتيجي في بحيرة ناصر "خلف السد العالي"، أقصى جنوبي البلاد، دون أن يحدد نسبة التراجع ولا كميات المياه التي تم سحبها من البحيرة.
ونفى المسؤول المصري وجود أي صلة لهذا النقص بسد النهضة الإثيوبي، الذي لم يبدأ تخزين المياه من نهر النيل بعد، فيما تشير تقديرات إلى احتمال بدء هذه العملية في يوليو/تموز المقبل، فيما تكررت تصريحات رسمية في القاهرة تعترف بـ"دخول مصر مرحلة الفقر المائي"، أبرزها مطلع العام المقبل، من وزير الري المصري، محمد عبدالعاطي، وفي مارس/آذار الماضي، من وزير الإسكان، مصطفى مدبولي.
وأكد رئيس قطاع توزيع المياه المصري، إن "مصر دخلت مرحلة الشح المائي، حيث تراجع نصيب الفرد إلى نحو 600 متر مكعب سنويًا، لينخفض عن حد الفقر المائي وهو عند مستوى ألف متر مكعب، وذلك مع انخفاض الفيضان العام السابق، وتوقعات بآخر آتي متوسط"، موضحًا أن "حصة مصر من مياه النيل تبلغ 55.5 مليار متر مكعب "سنويًا"، في حين أن الاحتياجات المائية للبلاد تبلغ 110 مليارات متر مكعب".
تداعيات الأزمة
هذا الحديث الرسمي أقر به محمود أبوزيد، وزير الري المصري الأسبق، حيث قال في تصريحات صحفية إن "مصر تمر بأزمة مائية جراء ثبات كمية المياه منذ عشرات الأعوام، والزيادة المطردة في عدد السكان "أكثر من 93 مليون نسمة حاليًا"، يزيدها سوءً قرب الانتهاء من سد النهضة".
ومضى أبوزيد قائلًا إن "مصر يجب أن تضغط على إثيوبيا في التفاوض بشأن مدة وأسلوب ملء وتشغيل سد النهضة، فلابد أن يكون هناك اتفاق يحدد نسبة التخزين حال وجود فيضان مرتفع والذي لن يسبب أية أزمة، لكن حال انخفاض الفيضان، فلابد أن تكون النسبة أقل حتى لا تتضرر مصر، وهو ما يسمى الموازنات".
وبشأن إعلان مصر، مؤخرًا، سحب مياه من بحيرة ناصر؛ بسبب انخفاض الفيضان، أضاف الوزير الأسبق أن "ما حدث ليس مفاجأة، فهذه البحيرة كالبنك أعدت للتخزين القرني "تخزين المياه الفائضة عن الاستخدام"، وعندما يحدث فيضان منخفض نسحب منها، الخطر هو توالي الفيضانات المنخفضة مع إنشاء سد النهضة، ما قد يؤدي إلى إنهاء رصيدك خلف السد العالي، وهي أزمة كبيرة".
ويتفق معه أيمن عبدالوهاب، خبير المياه وشؤون أفريقيا في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية "حكومي" بقوله إن "الخطر في الفترة المقبلة تحدده فترة ملء السد، ففترة ثلاثة أعوام تختلف عن عشرة "، متابعًا في حديث "وفي العموم ستتأثر مصر كون السد يعطي إثيوبيا الحق في كمية المياه التي تأتي إلينا، وهذا هو الخطر الحقيقي، خاصة في فترة الجفاف، وهو ما يؤكد حتمية وجود اتفاق سريع خلال الأيام المقبلة".
وتعلن القاهرة باستمرار عن تخوفها من تأثير سلبي محتمل لسد النهضة على تدفق حصتها السنوية من مياه النهر، بينما يقول الجانب الإثيوبي إن السد سيمثل نفعًا له، خاصة في مجال توليد الطاقة الكهربائية، ولن يمثل ضررًا على دولتي مصب النيل، وهما السودان ومصر.
حلول حكومية
الاعتراف الحكومي بالأزمة تبعه الإعلان عن خطة استراتيجية لمواجهة الأزمات المائية حتى عام 2050 تنقسم إلى تفعيل موارد جديدة وترشيد الاستخدامات الداخلية للمياه، ووفق وزير الري المصري الأسبق، فإن الأمر يتمثل في "المحافظة على المياه من التلوث والري والزراعة والمنازل، ومطالبة وزارة الزراعة بالحد من زراعة المحاصيل الشرهة للمياء، كالأرز والقصب والموز، وفرض عقوبات مغلظة على المخالفين".
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، وافق مجلس الوزراء المصري على مشروع قانون بتنظيم قطاع مياه الشرب والصرف الصحي ينتظر عرضه على البرلمان في موعد لم يحدد بعد، ويتضمن عقوبات تصل للحبس لمدة عامين وغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه "5.5 ألف دولار أميركي" لمن يقوم بتوصيل مياه دون علم مقدم الخدمة "الحكومة".
أما الموارد الجديدة فتنقسم إلى نيلية، وهي التوسع في استقطاب الفواقد المائية في أعالي النيل، وغالبيتها في جنوب السودان وإثيوبيا، وكذلك موارد غير تقليدية أهمها تحلية المياه المالحة، سواء كانت بحار أو جوفية، ومعالجة مياه الصرف الزراعي والصحي.
بخلاف اتفاق الخبراء مع الحلول الحكومية، هناك ثلاثة حلول أخرى هي الضغط على إثيوبيا وإدارة مياه النيل، وإمكانية العودة إلى تفعيل اتفاقية عنتيبي، وتكثيف الضغط والمفاوضات مع إثيوبيا هو حل طرحه الخبير المصري، أيمن عبدالوهاب، مستدركًا بأن "أديس أبابا ستناور كالعادة، لكن لابديل عن حل أزمة المياه سياسيا؛ فلا وقت لأي حلول فنية".
وأشار الخبير المصري المختص إلى حل ثان وهو إمكانية العودة إلى تفعيل اتفاقية عنتيبي "اتفاق مياه أفريقي أبدت مصر تحفظات عليه"، حيث ظهرت في الآونة الأخيرة بوادر قبول مصري لها، لكنه معلق لحين بحث ثلاثة بنود رئيسية، وهي حق الإخطار المسبق ببناء السدود، وحصص المياه، وتخصيص المشاريع، وهي التي منعت مصر والسودان من التوقيع على الاتفاقية.
ومتطرقًا لحل ثالث، وهو حسن إدارة المياه، تابع عبدالوهاب قائلًا إن "أزمة نهر النيل بشكل عام ليست ندرة مياه، فكل استخدامات الدول الأفريقية لا تمثل 10% من كمية المياه، لكن القضية الآن هي كيفية التوافق حول عملية إدارة المياه في الحوض"، وبشأن الموارد النيلية الجديدة في خطة الحكومة، أوضح أن "هناك مشاريع لاستقطاب فواقد أعالي النيل، منها قناة جونقلي في جنوب السودان، لو تمت ستزيد حصص المياه، لكنها في النهاية لا تمثل أولويات بالنسبة للدول التي تقع بها، وبالتالي نحن أمام أمر واقع حاليًا، وهو سد النهضة".
معوقات
وبشأن معوقات حلول الشح المائي المصري، اعتبر الخبير المصري المتخصص في الموارد المائية وتصميمات السدود، أحمد الشناوي، للأناضول، أنه "مع سد النهضة لا حلول، أضعف الإيمان سنتفاوض فقط على فترة الملء لنخفف الضرر ليس أكثر"، وعن تحلية مياه الصرف الصحي، أضاف أنها "تكون تحلية من الميكروبات، لكن يتبقى المعادن الثقيلة الرصاص والحديد، وهي مضرة لمن يتناولها، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا، وعندما أعلنت القاهرة أنها شرعت فيها، قامت دول عربية وأفريقية وغربية بوقف استيراد المواد الغذائية من مصر".
أرسل تعليقك